الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
9
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
ومن هذا الحديث نفهم أن الفاتحة هي مناجاة بين اللّه وبين عبده ، وليس للميت فيها شئ تفيده أو تضره . الميت لا ينفعه إلا عمله : أما الذي يفيد الميت وينفعه ، هو أعماله وسعيه في الدنيا ، وذلك كما يقول المولى جل شأنه : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [ النجم : 39 - 41 ] ، كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ المدثر : 38 ] ، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ [ آل عمران : 30 ] ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ، 8 ] . فهذه كلها نصوص تشهد بأن الميت لن ينتفع إلا بعمله وسعيه في الدنيا ؛ لأنها دار عمل ، وبموته انقطع عمله ، وليس له من عمل سوى ما بينه حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم . سوء استعمال القرآن : ولقد أساء كثير من المسلمين استعمال آيات القرآن ، فهم يستأجرون المشايخ ليقرءونه في المآتم ، وعلى قبور الموتى ؛ لجلب الرحمة والغفران لهم ، ويضعون القرآن في بيوتهم في مجلد فاخر ليحفظ البيت من العفاريت ، أو شبح الفقر ، أو ليدفع عن العائلة شر الحاسدين ، أو يعلقونه على أبواب المحلات التجارية أو الصناعية ، أو بسيارتهم بقصد جلب الرزق ودفع الكساد عنهم ، ويعلقونه في شكل حجاب بجسم المريض ليشفيه ، أو بجسم طفل وحيد أبويه ليحفظه من المرض ، أو من عيون الحاسدين ، أو ليطيل عمره ؛ لأن من سبقوه من إخوته ماتوا أطفالا . على هذا النحو السيئ يستعمل أكثر المسلمين آيات القرآن الكريم ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، مع أن الإسلام ينكر هذه العادات الذميمة ، ويأمر بتركها ، كما جاء في كثير من الأحاديث النبوية . حديث : « خذ من القرآن ما شئت لما شئت » : أما هذا الحديث ، فلا أصل له ، وهو مبتدع ، حتى أنه لم يرد له ذكر في كتب المحققين الذين بينوا لنا الأحاديث الصحيحة والمكذوبة والموضوعة ، ويكفى هذا دليلا دامغا قويّا على أن هذا الكلام المنسوب لرسولنا صلى اللّه عليه وسلم ابتدعه تجار القرآن ؛ ليكون لهم مورد رزق ومصدر عيش ؛ لأنهم وجدوا في هذا العمل حياة سهلة وناعمة ، لا عمل فيها ، ولا جهد ، ولا عرق .